خطاب الاستشراق والقابلية للاستعمار - هرم مصر

الكورة السعودية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في مشهد أعاد إلى أذهان اللبنانيين حقبة الانتداب، وقف المبعوث الأميركي إلى لبنان، توم براك، على منبر قصر الرئاسة اللبنانية مخاطبا الصحفيين بلهجة آمرة ومهينة واستعلائية: "سنضع قواعد مختلفة… كونوا هادئين للحظة… في اللحظة التي يبدأ فيها الأمر بالفوضوية والسلوك الحيواني سنرحل. تصرفوا بتحضر، بلطف، بتسامح، لأن هذه هي المشكلة وراء ما يحدث في المنطقة".

وضعت حادثة قصر بعبدا الإصبع على جرح عميق في واقعنا العربي، فالمسألة ليست في الإهانة ذاتها بقدر ما تكمن في خلفياتها الذهنية والمدلولات السياسية التي تستبطنها، وفي ردود الفعل تجاهها.

عبارة "سلوك حيواني" التي تفوه بها براك لم تكن زلة لسان منعزلة، بل هي جزء من نمط أوسع يُعرف باسم نزع الإنسانية (Dehumanization).

هذا النمط يقوم على تشبيه شعوب كاملة بصفات غير آدمية، بما يجردهم من صفاتهم البشرية ويجعل التعاطي معهم خاليا من الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية.

ذات العبارة استخدمها وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، أكتوبر/تشرين الأول 2023 لوصف الفلسطينيين في غزة بأنهم "حيوانات بشرية"، وأعلن فرض حصار كامل عليهم: "لا كهرباء، لا طعام، لا ماء". كانت هذه العبارة مؤشرا على النية لاقتراف جرائم حرب وفظائع إنسانية، وهو ما حصل ويحصل بالفعل.

إن هذه النزعة ليست بدعة في التجربة التاريخية، بل هي استمرار لنهج رسخته القوى الاستعمارية الغربية منذ قرون، كما في تجربة الولايات المتحدة مع السكان الأصليين، أو الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وفي المذابح التي نُفذت ضد أقلية التوتسي في رواندا، أو ضد المسلمين في البوسنة والهرسك، وحتى اليهود أنفسهم كانوا ضحية الدعاية النازية ضدهم.

المشترك في هذه التجارب هو خطاب نزع الإنسانية عن الجماعات، عبر وصفهم بالمتوحشين والمتخلفين بيولوجيا أو بالجرذان والصراصير والذباب والثعابين والبرابرة، هكذا حرفيا، واستخدام هذا الخطاب كتهيئة ذهنية تبرر الهيمنة، أو تسبق المجزرة، وتمهد لتبرير فظائعها.

إعلان

ولا يخرج عن هذا الإطار خطاب "نشر الديمقراطية" و"نشر التحضر" و"محاربة الإرهاب"؛ ذلك الخطاب الذي يستبطن وصاية أخلاقية استعلائية شوفينية، استُخدم أيضا لتبرير غزو العراق، وأفغانستان وارتكاب المجازر فيهما، بل وللهيمنة على المنطقة سياسيا وعسكريا، ونهب ثرواتها لعقود لاحقة.

تشبيه البشر بالحيوانات أو ربطهم بصفات دون بشرية أو أقل تحضرا، يزيد قابلية الجمهور لتقبل العنف بل وتأييده، باعتباره وسيلة "ضرورية" لتحقيق هدف ما، مهما كان وحشيا.

بمعنى آخر، تُسقط لغة "الحيوَنة" الضوابط الأخلاقية، فلا يعود قتل المدنيين أو تجويعهم أو تعذيب الأسرى أمرا مرفوضا بالكامل، بل قد يراه البعض مبررا، لأن الضحايا المصوَرين هم من فصيلة أدنى لا يستحقون التعاطف نفسه.

يكفي أن نستحضر رد فعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تعليقه على فيديو يُظهر أسيرا إسرائيليا لدى حماس بدا في حالة هزال شديد؛ فقد أعرب علنا عن الأسى والحزن والتعاطف مع معاناة ذلك الأسير، واصفا ما شاهده بأنه "أمر فظيع".

غير أن هذا التعاطف الانتقائي يقابله صمت مطبق تجاه معاناة أكثر من مليوني غزي يتعرضون للإبادة والتجويع على مدار أكثر من 22 شهرا. حتى عندما اعترفت جهات أممية بوجود مجاعة في غزة، لزمت إدارته الصمت من دون أي تعليق.

تكشف هذه الازدواجية في الاستجابة الإنسانية عن نزعة متجذرة لنزع الإنسانية عن العرب في الخطاب السياسي الغربي. وضمن هذه الرؤية، تُعتبر حياة غير الغربي أدنى قيمة- وربما "غير بشرية"- ولا تستحق حتى التعاطف.

هكذا تتحول الإهانة اللفظية أو الخطاب التفاضلي بين الغربي وغير الغربي إلى ما هو أعمق من مجرد موقف عنصري، ولا يمكن قراءته بمعزل عن حمولته الفكرية؛ فهو يستحضر دون وعي إرثا ثقيلا من الاستشراق، الذي فضحه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، بوصفه بنية معرفية سلطوية قام عبرها الغربي بتشكيل صورة نمطية عن الشرق تخدم مصالح الهيمنة.

لقد صور المستشرقون الأوائل الشرق بأنه غير عقلاني وفوضوي ومنحط أخلاقيا، مقابل صورة أوروبا العقلانية القوية المتحضرة. هذا التصوير لم يكن بريئا؛ بل حاجة استعمارية لاختلاق تباين جوهري بين شرق متخلف وغرب متحضر.

فعندما يقول مبعوث أميركي في بيروت: "تصرفوا بتحضر… هذه هي مشكلة المنطقة"، فهو عمليا يعيد إنتاج تلك المعادلة الاستشراقية القديمة: نحن الغرب نمثل قمة التحضر وضبط النفس، بينما أنتم الشرق (العرب) تمثلون الفوضى والنقصان الحضاري، وتحتاجون إلينا لإعادة تأهيلكم حضاريا.

والأخطر أن مثل هذه اللغة الاستعلائية والممعنة في نزع الإنسانية، تتخذ أحيانا لبوسا دينيا يمنحها شرعية في عيون أصحابها. رأينا مثل ذلك حين لجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى نصوص التوراة لتبرير الإبادة، حيث اقتبس من سفر التثنية قائلا: "اذكر ما فعله بك عماليق".

والعماليق في الذاكرة اليهودية هم عدو أبدي لبني إسرائيل، أمر الرب بإبادتهم في العهد القديم، رجالا ونساء وأطفالا وحتى البهائم.
لم يكن اختيار نتنياهو لهذا الاقتباس اعتباطيا، فهو يعلم وقع هذه الاستعارة على جمهوره وعلى جنوده، بحيث يضفي على حربه صبغة مقدسة، وتنفيذا لأمر إلهي ضد عدو مطلق الشر يجب استئصاله بالكامل، أي رفع مستوى العملية العسكرية من فعل دنيوي قابل للنقد، إلى رسالة إلهية لا تُمس.

إعلان

ويكفي لنفهم وقع هذا الخطاب على المجتمع الإسرائيلي أن نشير إلى استطلاع رأي إسرائيلي أجراه مركز (أكورد) مؤخرا، أظهر أن 76% من اليهود في "إسرائيل" يوافقون على "نزع إنسانية سكان قطاع غزة"، وعلى الادعاء أنه "لا يوجد أبرياء في غزة".

إذا وضعنا هذا التداخل التوراتي- السياسي في إطار الاستشراق الذي تحدثنا عنه، نجد مفارقة مثيرة؛ فالصهاينة وبعض المتطرفين الغربيين يصورون ثقافة منطقة "الشرق الأوسط" بأنها "دينية متعصبة" أو "قبلية همجية"، لكنهم لا يتورعون عن استدعاء أكثر النصوص الدينية تعصبا لتبرير البطش الهمجي بنا!

من جهة أخرى، وإزاء تصريحات المبعوث الأميركي المهينة، كان لافتا العدد الكبير للأصوات المستلبة أو تلك التي تعيش عقدة الخواجة، والتي دعت إلى عدم تضخيم الأمر وإلى "تفهم السياق"، ومنهم من اجتهد لنفي الكلام أو تأويله، بل وحتى لوم الصحفيين أنفسهم على انفعالهم!

وهذا يحيلنا إلى طرح المفكر الجزائري مالك بن نبي الذي سماه "القابلية للاستعمار"، وهو مفهوم لا يزال شديد الراهنية لفهم معضلاتنا المعاصرة، إذ يحملنا جزءا من المسؤولية التاريخية لما آلت إليه ظروف منطقتنا.

فمالك بن نبي يرى أن الاستعمار ما كان لينجح ويطول أمده ما لم يزرع في نفوس المحتلين والمستعمَرين قابلية نفسية لتقبل الذل، فإذا كان الوسط الاجتماعي مشبعا بقابلية الخنوع تلك، فستأتي حكومات ونخب تمارس دور الوكيل للاستعمار من داخل المجتمع نفسه.

على مستوى أوسع، عربيا، نرى تجليات لهذه القابلية للهيمنة في تعاطي بعض النخب مع المشاريع الصهيونية والاستعمارية الجارية. فعندما يعلن قادة إسرائيليون صراحة عن أطماعهم التوسعية- كحديثهم عن "إسرائيل الكبرى" أو خطط تقسيم دول عربية أو إسلامية أو تغيير أنظمتها بالقوة- ينبري محللون وسياسيون عرب لإقناع جماهيرهم بأن "كل ذلك أوهام ودعايات فارغة"، وعلينا فقط أن نطبّع ونطوي صفحة الماضي، ونركز على التنمية!

نحن أمام حالة من الإنكار المريح الذي يغذي القابلية للاستعمار، إنها آلية نفسية للهروب من المسؤولية، فبدلا من مواجهة الخطر، يتم إنكاره أو التقليل منه، لأن الاعتراف به يتطلب موقفا فيه تضحية وخروج من منطقة الراحة- مع أنها قاتلة!

المشكلة تكمن في أن هذا الخطاب الانهزامي يتناسى عمدا أن جوهر الصراع في الاستعمار والاحتلال، وسرقة الأرض، وتهجير السكان، وقمع أي مشروع نهضوي عربي مهما كلف الأمر.

المشكلة في أن هذا الخطاب يصور المقاومة المشروعة على أنها عقبة أمام "الازدهار الاقتصادي" الموهوم، ويتعامل مع التطبيع كشرط لازم للتنمية وتحقيق الرخاء، رغم أنه ثبت مرارا أنه لا ازدهار ولا تنمية حقيقية للشعوب الواقعة تحت نفوذ الاحتلال، أو التي تدور في فلكه. ومع ذلك يواصل مروجو هذا النهج تسويق الأوهام.

هذا المنطق الخطابي أقرب إلى ما يسميه المفكر الإيراني علي شريعتي بالاستحمار، وهو استعارة تشير إلى تزييف وعي الإنسان وإلهائه عن قضاياه الأساسية. فأي دافع يَحرف وعي الإنسان عن اليقظة هو دافع استحماري، ولو كان مقدسا.

بمعنى آخر، قد يُشغل المجتمع بخطابات براقة في ظاهرها- قد تكون علمية أو دينية أو اقتصادية – لكنها في الجوهر تؤدي إلى إبعاده عن معركة الحرية الحقيقية.

وأخطر أدوات الاستحمار في عصرنا الحديث هي تلك التي ترتدي قناع التحديث والتنمية والسلام؛ لتخدير الشعوب وسط بحر من الهيمنة والظلم والتهديد المتربص بالمنطقة، وفي القلب منها فلسطين.

فكل خطاب لامع ليس إلا أداة تضليل كبرى ما دام لم يقترن بشرطَي الحرية والكرامة، وبنفي القابلية لاحتقار الذات، وهذه الأخيرة عدها شريعتي مقدمة لتقبل الاستعباد؛ فقبل أن يُستعبد أي شعب، عليه أن يقتنع بأنه أدنى وأضعف، عندها يتقبل المقهور الذل والعبودية برحابة صدر ودون مقاومة.

إعلان

أليس هذا ما نراه أحيانا في إعلامنا ومناهجنا بل وفي أبسط تفاصيل حياتنا اليومية؟ الصور النمطية التي تسخر من العربي وتحقره، وتمجد كل ما هو غربي، في النكات وفي الإعلام وفي السينما والفن وغيرها، التي تصور العربي غبيا شهوانيا أقل تحضرا، وتُصور الغربي ذكيا نبيلا وأكثر تحضرا.

هذه السموم البسيطة في ظاهرها هي التي تخلق تراكما نفسيا يسهل قبول الهيمنة. فحين يأتي سياسي غربي ويقول "سنجلب لكم الاستقرار" سنهرع وراءه شاكرين، لأننا مقتنعون في أعماقنا أننا عاجزون عن حل مشاكلنا بأنفسنا. وحين يقول لنا "التطبيع طريق الازدهار" نصفق له، لأننا أصلا فقدنا الثقة بأنفسنا وصار عدونا معيارا للتقدم!

إن مقاومة هذا الاستحمار الجديد تتطلب نباهة فردية واجتماعية- كما أسماها شريعتي- أي وعيا ثاقبا ويقظة دائمة، تعيد ترتيب أولوياتنا، بحيث نميز بين العدو والصديق، وبين القاتل والضحية، وألا ننخدع بمعسول الكلام عن الاستقرار الاقتصادي، فيما تُزهق الأرواح وتُهدم الأوطان من حولنا، ويزحف العدو عند أسوارنا.

التنمية الحقيقية لا تأتي على دبابة محتل، ولا بقرار من سفارة أجنبية؛ إنها تنبع من التحرر الوطني، ومن المقاومة، ومن السيادة على قرارنا وثرواتنا.

تنبع أولا من قناعة راسخة أنه لا نهضة ولا استقلال بدون حسم الصراع على فلسطين، وقبل كل ذلك، من الإيمان بأننا نستحق أفضل من موقع التابع المهان.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق