في قلب الضفة الغربية، بعيدا عن عدسات الإعلام والرقابة الدولية، تبتكر إسرائيل وسائل جديدة لترسيخ مشروعها الاستيطاني، ولم تعد القصة مجرد جرافات تجرف الأراضي أو بؤر عشوائية تتحول إلى مستوطنات، بل انتقلت إلى مستوى أكثر خفاء: "قرى الطلاب".
هذه القرى، التي تسوق كحاضنات تعليمية للشباب الإسرائيلي، تقدم بواجهة مدنية، لكنها في جوهرها مشروع استيطاني مقنع، فهي تستقطب الطلبة، خصوصا خريجي المدارس الدينية والجامعات، وتمنحهم فرصة السكن والتعلم والعمل داخل هذه القرى التي تزرع غالبا في قلب الأراضي الفلسطينية المحتلة.
الفكرة تقوم على تحويل الطلبة إلى "مستوطنين متفرغين"، يعيشون سنوات دراستهم في مناطق إستراتيجية، فيمارسون حياة طبيعية ظاهريا، بينما يخدم وجودهم هدفا أكبر وهو تثبيت السيطرة على الأرض، وخلق واقع جديد يصعب التراجع عنه.
ورغم أن هذه القرى تبدو "مؤقتة" في وصفها الرسمي، فإنها سرعان ما تتحول إلى نواة دائمة لبؤر استيطانية محمية بالبنية التحتية، والخدمات، وحتى الوحدات العسكرية التي توفر الأمن لها، وهكذا توظف قاعات الدراسة والمهاجع لتكريس مشروع "إسرائيل الكبرى"، في مسار استيطاني أقل صخبا وأكثر فعالية.
يرصد فريق "الجزيرة تحقق" في هذا التقرير – بأسلوب يعتمد أدوات التحقق الرقمي والمصادر المفتوحة– كيف تسخر إسرائيل واجهة أكاديمية واجتماعية لتوسيع وحماية البؤر غير القانونية في الضفة الغربية وغلاف غزة والجليل، وكيف يزج بالطلبة في مشروع أوسع يعيد إنتاج فكرة "إسرائيل الكبرى" على الأرض لا في الشعار.
استيطان بواجهة شبابية
تأسست جمعية "كيدما" الاستيطانية عام 2013 على يد الشابة تيرا إل كوهين، وتقدم نفسها –عبر موقعها الرسمي– كمنظمة غير ربحية أنشأها شباب بهدف "إحياء قيمة الاستيطان الصهيوني في القرن الحادي والعشرين"، وتقول إنها تعمل على بناء أطر شبابية تعزز "تحقيق الذات" في الاستيطان الريفي، بالعودة إلى قيم "الارتباط بالأرض والمجتمع"، لكن خلف هذه اللغة الرومانسية، تنفذ الجمعية مشروعات يتجاوز جزء كبير منها الخط الأخضر، الفاصل بين الأراضي المحتلة عام 1948 والأراضي المحتلة عام 1967.
إعلان
يقع مقرها في مستوطنة معاليه أفرايم بالضفة، ومنها توسعت لتقيم ثماني قرى طلابية في الضفة وقريتين في غلاف غزة والجليل، وتشمل أنشطتها عدة مستوطنات في هذه المناطق، ويعيش فيها نحو 300 طالب يتقاسمون حتى نوبات الحراسة الليلية.
ورغم الانتقادات اليسارية، تحظى "كيدما" بدعم حكومي ومالي واسع (أكثر من 5.4 ملايين شيكل عام 2019)، لتشكّل نموذجًا استيطانيًا ممولا بالدولة ومسوقا بواجهة تعليمية واجتماعية، على غرار جمعيات أخرى مثل أياليم.
جمعية "أياليم"
ولا تنفرد "كيدما" بهذا النموذج، إذ توجد عشرات الجمعيات الاستيطانية الأخرى التي تعمل بالآلية نفسها، ومن أبرزها جمعية "أياليم" التي تركز على تشجيع الشباب للاستقرار في النقب والجليل.
وتعود جذور جمعية "أياليم" إلى عام 2002 حين بادر اثنان من خريجي الجيش الإسرائيلي –متان دهان وداني غليكسبرغ– إلى استثمار منحة تسريحهم في شراء كرفانيْن وضعا في مستوطنة "أشليم" بالنقب. من تلك الخطوة ولدت المبادرة التي تحولت لاحقا إلى واحدة من أبرز الجمعيات الاستيطانية العاملة في إسرائيل.
منذ ذلك الوقت، توسعت "أياليم" لتُبنى أكثر من 22 قرية طلابية ومجمعات للخريجين ونوى استيطانية جديدة، تستقطب سنويا مئات الطلبة والطالبات الذين يختارون العيش في النقب والجليل أو في مناطق تصنف "هوامش المجتمع الإسرائيلي".
وتربط الجمعية رؤيتها بما تصفه بـ"رسالة بن غوريون والمشروع الصهيوني"، كما تصف مهمتها بأنها مشروع وطني يهدف إلى تنمية النقب والجليل باعتبارهما أولوية وجودية ومفتاح ازدهار إسرائيل.
كما تقدم نفسها على أنها منصة تجمع متطوعي الخدمة والطلاب الجامعيين والعائلات وخريجيها السابقين في إطار واحد يخدم هدفا إستراتيجيا وهو ترسيخ الاستيطان وتوسيع رقعته في المناطق على الأطراف.
توتسرت هأرتس
على غرار كيدما وأياليم، تقدم حركة "توتسرت هأرتس" نفسها كحركة شبابية مجتمعية، لكنها في الواقع تكرس الاستيطان في قرى طلابية مدعومة بالمنح الدراسية والمساعدات السكنية.
فمنذ أكثر من 13 عاما أقامت الحركة مجتمعات طلابية في نحو 16 بلدة، تحت شعار "نحن هنا كي نبقى"، وتحولت هذه القرى الطلابية إلى نوى سكانية مدعومة بالمنح الدراسية والمساعدات السكنية.
مرجعية صهيونية
تعتمد هذه الجمعيات الاستيطانية على خطاب يقوم على إحياء ما تصفه بـ"الصهيونية العملية"، بإعادة ربط الشباب بالأرض والحدود وأطراف المناطق.
ويقوم هذا الخطاب على تصوير تلك المناطق -سواء في غور الأردن أو جنوب الخليل أو الجليل- باعتبارها فضاءات جديدة "مليئة بالفرص"، يجب على الجيل الشاب استثمارها وتثبيت الوجود الإسرائيلي فيها، كما يروج هذا التوجه لفكرة أن الاستيطان ليس عملا سياسيا بقدر ما هو "مشروع حياة".
وتقدم هذه الجمعيات الشباب باعتبارهم "المفتاح" لإعادة إنتاج المشروع الصهيوني، إذ حولت مبان مهجورة إلى قرى طلابية نابضة بالحياة، توصف بأنها "إنجاز مجتمعي"، بينما يُعزز وجودها باعتباره مصدر فخر للمستوطنين.
إعلان
والغاية النهائية ليست إنشاء تجمعات مؤقتة، بل تأسيس مراكز استيطان طويلة الأمد تضمن الاستقرار وتكرس التوسع، لتتحول القرى الطلابية تدريجيا من مبادرات صغيرة إلى أدوات إستراتيجية في مشروع الاحتلال.
الطلاب حراس للبؤر
رغم مظهرها كـ"قرى طلابية" تحاكي المخيمات الصيفية وتُقدَّم بواجهة تعليمية واجتماعية، فإن هذه التجمعات تتحول عمليا إلى خط دفاع أول عن البؤر الاستيطانية غير القانونية، فالمنح التي يحصل عليها الطلبة مشروطة بالانخراط في أنشطة زراعية وخدماتية، وأيضا نوبات حراسة ليلية لحماية المستوطنات ومزارع الرعاة.
بدأ النموذج من مستوطنة معاليه أفرايم عام 2014، ثم توسع بسرعة ليشمل الضفة الغربية والجليل وغلاف غزة، حتى وصل –وفق بيانات الجمعية– إلى 17 قرية طلابية يقطنها نحو 300 طالب. هكذا يجري دمج التعليم والعمل التطوعي مع مهام أمنية، فيتحول الطالب من مقيم مؤقت إلى مستوطن حارس يرسخ وجود الاحتلال على الأرض.
الزراعة قاعدة استيطان
كما تكشف تقارير إسرائيلية أن طلبة القرى يشاركون في حماية مزارع رعوية استيطانية مثل بني كيدم وتسان كيدا ومتسبيه أشتموع وعساهيل، حيث تستخدم القطعان ذريعة للسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية رغم قلة عدد المستوطنين.
بعض الطالبات صرحن لصحيفة هآرتس بأن جزءا من ساعات المنحة يخصص حتى لـ حراسة الأبقار القادمة من مستوطنات مثل إيتمار، كما حصلت جمعية كيدما عام 2018 على نحو 3.8 مليون شيكل من وزارتي التعليم والزراعة وسلطات محلية، لتغطية هذه الأنشطة التي تقدّم بواجهة "التطوع الزراعي".
وتصف وزارة الزراعة هذه القرى بأنها برامج وطنية لحماية الأراضي الزراعية حتى خارج الخط الأخضر، فيما تعرفها الجمعية نفسها كـ "قاعدة انطلاق للاستيطان الدائم" وتأسيس نوى مجتمعية جديدة.
استقطاب وتسويق
لا تكتفي الجمعيات الاستيطانية بإنشاء القرى الطلابية، بل تدير لها حملات دعائية مكثفة عبر منصات التواصل، تظهر فعاليات موسيقية ورياضية وثقافية لتسويق صورة عصرية جذابة، بعيدة عن مشهد العنف وسرقة الأراضي، وتدير كل قرية صفحات خاصة، مثل قرى القدس والمطلة شمالًا، لتقديم الحياة في المستوطنات كخيار مثالي للشباب.
في هذا السياق، افتتحت جمعية أياليم قرية جديدة في المطلة ووصفتها بـ"البيت الجديد"، مؤكدة أن الاستيطان مهمة وطنية لحماية الحدود، ولتثبيت هذا الوجود، تطرح أيضا فرص عمل محلية كما حدث في كرميئيل، حيث روج للقرى لأنها بوابة لمسارات مهنية مستدامة.
أما جمعية كيدما فذهبت أبعد، بربط القرى مباشرة بالمؤسسة العسكرية، فنشرت صور جنود احتياط عادوا من غزة وهم يشاركون في فعالياتها، في إشارة إلى التكامل بين الجيش والمستوطنين.
كما يظهر مسؤولو الجمعيات في مقاطع دعائية يدعون الشباب إلى الانضمام إلى "حياة مليئة بالمعنى"، تُقدَّم بوجه تعليمي وثقافي، لكنها في جوهرها أداة لتوسيع السيطرة على الأرض وترسيخ المشروع الاستيطاني.
دعم حكومي ومؤسسي
تحظى القرى الطلابية الاستيطانية بدعم رسمي واسع يتجاوز المبادرات الفردية، إذ جرى التعامل معها في الكنيست كـ"تجمعات حدودية" تعزز لأسباب أمنية، وتوسعت لتشمل أكثر من 60 موقعا مصنفا ضمن أولويات إسرائيلية من غور الأردن إلى غلاف غزة ووادي عربة.
إعلان
كما خصصت لجان حكومية عشرات الملايين من الشواكل لدعم هذه القرى، منها 74 مليون شيكل عام 2023، إضافة إلى تمويل مباشر من وزارات التعليم والزراعة وسلطات محلية، بجانب رعاية مؤسسات مثل مشروع اليانصيب الوطني والصندوق القومي اليهودي لتعزيز الاستيطان في الشمال.
أما على مستوى التعبئة الأيديولوجية، فقد دخلت منظمات صهيونية بارزة مثل حركة "إم ترتسو" على خط الترويج، فدعت في حملات علنية الطلبة الجامعيين للانضمام إلى هذه القرى باعتبارها "فرصة للجمع بين الدراسة والحياة الصهيونية"، في محاولة لإعادة إنتاج جيل شاب مرتبط بالأرض وبالمشروع الاستيطاني طويل الأمد.
اعتداءات تكشف وجه الحقيقة
رغم محاولات الجمعيات الاستيطانية تقديم القرى الطلابية على أنها فضاءات تعليمية وشبابية، فإن الوقائع الميدانية تكشف الوجه الحقيقي لهذه المشاريع وهو التوسع الاستيطاني وطمس الوجود الفلسطيني.
ففي تقرير نشرته صحيفة إسرائيل هيوم الشهر الماضي، تناولت نشاطا نظمته جمعية "كيدما" ضمن برنامج "آدم وحواء" في حفات "إل نفيه" شمال الضفة، حيث شارك عشرات الشبان في أنشطة زراعية شملت الخروج إلى المراعي وترميم مبان وإقامة بنى تحتية، وجرى إهداء الفعالية إلى ذكرى جندي قتل في معارك خان يونس في قطاع غزة.
لكن ما بدا أنه "عمل تطوعي" سرعان ما اتضح أنه عملية استحواذ على معالم فلسطينية؛ إذ ادعت الجمعية والمتطوعون أنهم أعادوا ترميم بئر قديم تكريما للجندي.
في حين أظهرت مقاطع مصورة أن البئر كان قائما منذ عام 2004 ومكرسا لذكرى سيدة فلسطينية، وأعاد المستوطنون طلاءه وتعليق يافطات جديدة تحمل اسم الجندي، محولين معلما فلسطينيا إلى رمز استيطاني.
هذا النموذج يكشف آلية أوسع، فبينما يروج للقرى الطلابية كمساحات تعليمية أو ترفيهية، يشارك الطلبة والمتطوعون فيها عمليا في مصادرة الأرض، السيطرة على الموارد، وحراسة البؤر غير القانونية، وكل ذلك تحت ستار "التعليم" و"الزراعة" و"الأنشطة الاجتماعية"، بما يجعل هذه القرى أحد أكثر أدوات الاستيطان خطورة لأنها تعمل في الظل، وتخفي مشروع "إسرائيل الكبرى" وراء واجهة مدنية.
0 تعليق