عاطف دغلس
Published On 29/8/202529/8/2025
|آخر تحديث: 17:26 (توقيت مكة)آخر تحديث: 17:26 (توقيت مكة)
نابلس- منذ أيام، تلقى المواطن الفلسطيني نصر أبو جيش إخطارا مما تُمسى "سلطة الطبيعة الإسرائيلية" ينذره بقلع أشجار زيتونه من أرض "الزاوية" بالمنطقة الشرقية لقريته بيت دجن قرب مدينة نابلس (شمال الضفة الغربية). وهدده جيش الاحتلال إن لم يقلعها بنفسه فسيتم اعتقاله، ومن ثم يقتلع الأشجار ويُغرِّمه ماليا.
وما واجهه أبو جيش تعيشه القرية منذ ربع قرن وأكثر، من العقاب بكل أحواله، فرديا وجماعيا، ولكنه تصاعد خلال الأسابيع القليلة الماضية بشكل غير مسبوق.
وبلغت ذروة اعتداءات جيش الاحتلال مؤخرا بردم بئرين ارتوازيتين تغذيان السكان ومزارعهم بالماء، فضلا عن اقتحامات واعتداءات تشُنها باستمرار قوات الجيش الإسرائيلي والمستوطنون بالتزامن معا أو فرادى، وتوصف بأنها أكثر عنفا.
وقد تجاوز اقتحام المستوطنين أراضي المواطنين ورعي أغنامهم وأبقارهم بها، وحتى الاعتداء عليها بقلع أشجارها وحرقها وتدمير محاصيلها، إلى التوغل سيرا على الأقدام أو عبر مركباتهم إلى حواري القرية وبين منازلها، وكأنهم جزء من السكان، محاولين فرض واقع جديد يرفضه الأهالي ويتصدون له.
بقصد التهجير
ويقول أبو جيش -الذي يشغل أيضا منصب رئيس مجلس قروي بيت دجن- إن جيش الاحتلال يريد إعدام مناطق "ج" -الخاضعة لسيطرته الأمنية حسب اتفاق أوسلو– بالكامل في القرية، والتي تشكل أكثر من 62% من أراضي القرية المقدرة بنحو 48 ألف دونم (الدونم =1000 متر مربع) تمهيدا لضمها والسيطرة عليها.
ولذلك دمَّر جيش الاحتلال شبكات المياه ولاحق المزارعين ورعاة الأغنام، وأحرق المراعي، وصادر الجرارات الزراعية وخزانات المياه، ويعمل بقوة على منع تواصل المواطنين مع أراضيهم، وفق رئيس المجلس.
وبإغلاق الآبار وحدها، يقضي جيش الاحتلال على نحو 500 دونم زراعي شرق القرية وغربها، تشكل "سلة غذاء محافظة نابلس ومناطق أخرى، وتزودها بأنواع شتى من الخضار" حسب أبو جيش.
إعلان
ويضيف المواطن أن خسارة المزارعين حتى اللحظة بلغت أكثر من مليون دولار، مؤكدا أن هذا الرقم سيتضاعف ويزيد إذا استمرت انتهاكات جيش الاحتلال، بفعل تدمير الدفيئات الزراعية وخدمات البنية التحتية من ماء وكهرباء وطرق، فضلا عن هدم الآبار الارتوازية التي تكلَّف إنشاؤها حوالي 750 ألف دولار، حسب أبو جيش.

وترى إسرائيل منذ زمن طويل ببلدة بيت دجن -كما يقول أبو جيش- "منطقة إستراتيجية وزراعية واسعة" تربط محافظة نابلس بأريحا عبر أراض واسعة، وتحاول إيصال رسالة للسكان بالقبول بالأمر الواقع "الأمني والسياسي والاقتصادي".
ودعا جنود الاحتلال المتمركزون على حاجز "بيت فوريك-بيت دجن" عند مدخل البلدة السكان مرارا للهجرة ومغادرة القرية بشكل طوعي "وإلا سيغادرونها بإطلاق النار والقتل والذبح" كما هددوهم، وفق ما ذكره رئيس المجلس القروي.
وعبر صفحته على فيسبوك وجَّه أبو جيش رسالة معنونة بـ"عتاب ثقيل ممزوج بألم الناس وصمودهم ومعاناتهم في بيت دجن" إلى السلطة الفلسطينية وقيادة العمل الوطني (الفصائل والمؤسسات المعنية) قائلا "نشعر بغياب واضح لدور المؤسسات الرسمية والفصائل الوطنية، وكأن قريتنا تُترك وحيدة في الميدان رغم كل هذه المعاناة".

الأمر الواقع
لكن هناك ما هو أخطر من الاعتداء المباشر للجيش الإسرائيلي والمستوطنين، حسب محمد رضوان الناشط في توثيق الاعتداءات والدفاع عن بيت دجن.
ويكمن هذا الخطر -برأيه- في توغل المستوطنين إلى داخل القرية وبين منازل المواطنين ومساكنهم، حيث يقومون باستفزاز الناس ليردوا عليهم وبالتالي وقوع اشتباكات ومواجهات يستغلها جيش الاحتلال بفرض واقع عسكري جديد على القرية، كمصادرة المزيد من الأرض أو التشديد على تنقل المواطنين ومنع وصولهم إلى أرضهم.
ويقول رضوان للجزيرة نت إن الجيش الإسرائيلي درع للمستوطنين ويشكل غطاءً لكل جرائمهم، وهو أيضا طوع أوامرهم، خاصة فيما يتعلق بمصادرة الأراضي وطرد أصحابها الفلسطينيين "قسرا" بعد إعلانها منطقة عسكرية، ليحولها المستوطنون لاحقا إلى بؤر صغيرة تتم شرعنتها والاعتراف بها كمستوطنات رسمية.
ويتضح عنف الجيش الإسرائيلي والمستوطنين من خلال سلسلة انتهاكات ضد بيت دجن تتمثل حسب رضوان بـ:
إقامة "بؤرة كوكي" الاستيطانية عام 2020، فوق السفوح الجبلية شرق بيت دجن، لتصادر وحدها أكثر من 25 ألف دونم من مجموع مساحة القرية البالغة نحو 48 ألف دونم، وما تبع ذلك من اعتداءات تمثلت بهدم 3 منازل وكثير من المنشآت الزراعية والحيوانية. إغلاق مدخل القرية الرئيسي منذ انتفاضة الأقصى عام 2000، وإجبار السكان على سلك طريق آخر يزيد الأهالي بُعدا ومعاناة عبر نصب الحاجز العسكري "بيت فوريك-بيت دجن" سيئ الصيت عند مدخل البلدتين قبل ربع قرن، وحبس خلفه 25 ألف نسمة فقدت القرية منهم العديد من الشهداء آخرهم عاطف حنايشة عام 2021، وتعرض العشرات للاعتقال، ولا يزال نحو 15 منهم في سجون جيش الاحتلال. بُعيد تشييد "بؤرة كوكي الاستيطانية" ثارت القرية عبر مسيرات شعبية رافضة للاستيطان وفقدت خلالها شهداء وجرح واعتقل العشرات من أبنائها، واستمرت البؤرة بقضم أراضي القرية. وتلاها اعتداءات لا حصر لها من المستوطنين من قلع للأشجار وقتل للمواشي وحرق للمحاصيل وتخريب للبنية الزراعية والتحتية. ردم بئرين ارتوازيتين خلال الشهر الجاري، تغذيان مئات الدونمات الزراعية، وتغطيان 30% من مياه الشرب للمواطنين بالقرية. تشييد بؤرة استيطانية جديد قرب المدخل القديم للقرية قبل أسابيع، حيث ينطلق المستوطنون منها لشن اعتداءاتهم من إطلاق نار وعربدة وتهديد لبئر مياه ثالثة تبعد عنها 150 مترا. خلال الشهر الجاري تتالت وبشكل غير مسبوق اقتحامات قوات الاحتلال، وكذلك هجمات المستوطنين، وأحيانا يتخلل اليوم الواحدة عدة اقتحامات يرافقها قمع وضرب للمواطنين واحتجاز لهم وإغلاق محالهم التجارية، وكل ذلك لتأمين هجمات المستوطنين.
الصمود وأدواته
ويراهن الناشط محمد رضوان، كما غيره من المسؤولين المحليين في بيت دجن، على أمرين أساسيين في التصدي للاحتلال والمستوطنين: صمود الأهالي، وتحركهم الشعبي والسلمي لإفشال مخططات جيش الاحتلال. ويشير إلى أنهم باتوا يشكلون مجموعات أهلية تتواصل فيما بينها وتهبّ بأي وقت لصد أي هجوم للمستوطنين.
إعلان
وحتى النصف الأول من عام 2025، بلغ إجمالي اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين 11 ألفا و280 اعتداءً ضد المواطنين وممتلكاتهم بمناطق مختلفة من الضفة، وفق الوزير مؤيد شعبان رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان (جهة رسمية) وكان نصيب محافظة نابلس منها 1784 اعتداء.
ولفت شعبان، في بيان صحفي، إلى أن الإستراتيجية الوطنية المنشودة للتصدي لانتهاكات الاحتلال والدفاع عن الأرض يجب أن تتجلى في:
حشد الإمكانيات الوطنية والشعبية من أجلها مقاومة الاستيطان. أن تكون خلاَّقة وتلجأ إلى أدوات غير مطروقة سابقا، وتتكيف مع صعوبات الواقع الذي يفرضه المحتل الإسرائيلي.
0 تعليق