أنقرة- شهدت العاصمة التركية أنقرة -اليوم الجمعة- انعقاد مؤتمر دولي بعنوان "من الجذور إلى الآفاق: قصة صعود الصناعات الدفاعية التركية"، نظمته دائرة الاتصال في رئاسة الجمهورية ضمن فعاليات أسبوع النصر الذي يتزامن مع ذكرى انتصار حرب الاستقلال.
وحضر المؤتمر مسؤولون حكوميون وقادة كبرى شركات هذه الصناعات، وعشرات الصحفيين والخبراء من 23 دولة، بهدف إبراز التحول الإستراتيجي الذي حققته أنقرة في بناء قدراتها الدفاعية الوطنية وتوسيع صادراتها العسكرية.
وافتتحت الجلسات بكلمات رسمية ألقاها فرحات بيرينتشجي نائب رئيس دائرة الاتصال، أعقبه هالوك غورغون رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية، حملا خلالها رسائل سياسية واضحة حول رؤية أنقرة الدفاعية وطموحاتها المستقبلية.

رؤية إستراتيجية
أكد فرحات بيرينتشجي في كلمته أن ما حققته تركيا في مجال الصناعات الدفاعية لم يكن وليد الصدفة، بل جاء ثمرة مسار متدرج وتراكم خبرات ممتد لعقود، وتجسيدا لرؤية إستراتيجية وضعتها الدولة خلال السنوات الأخيرة.
وأشار إلى أن نسبة الإنتاج المحلي في هذا القطاع تجاوزت 80%، بفضل العزيمة الراسخة للمهندسين والإداريين الأتراك، وبدعم من رؤية "قرن تركيا" ومبادرة التكنولوجيا الوطنية.
وأضاف "لقد أثبتت أنقرة أنه حين تجتمع الرؤية الإستراتيجية مع الإرادة الوطنية، تصبح بلادنا بين أبرز 11 دولة مصدرة للصناعات الدفاعية في العالم"، مؤكدا أن هذا القطاع بات ركيزة أساسية تحدد موقع تركيا على الخريطة الدولية وتعزز دورها كفاعل لا غنى عنه في أمن المنطقة والعالم.
أما هالوك غورغون فقد رسم في كلمته معالم التجربة التركية، مستهلا حديثه بالقول "نجحت أنقرة في تحويل فكرها إلى إستراتيجية، وإستراتيجيتها إلى تكنولوجيا، وتكنولوجيتها إلى منتجات".

وبيّن أن المؤتمر يجمع بين الذاكرة المؤسسية للصناعات الدفاعية والرؤية المستقبلية لها، مؤكدا أن هذا القطاع ليس مجرد مجال تقني أو عسكري، بل امتداد لمسيرة تاريخية تربط بين روح المقاومة في حرب الاستقلال قبل 100 عام ونهضة التكنولوجيا المتقدمة اليوم.
إعلان
وكشف غورغون أن نسبة الاكتفاء الذاتي في الصناعات الدفاعية بلغت نحو 83%، بفضل شبكة تضم أكثر من 3 آلاف و500 شركة، يعمل بها نحو 100 ألف موظف على تنفيذ أكثر من ألف و380 مشروعا محليا.
ولفت إلى أن السياسات التي أطلقها الرئيس رجب طيب أردوغان ضمن مبادرة التكنولوجيا الوطنية أثمرت قفزة نوعية نالت إشادة دولية، حيث تجاوزت صادرات الدفاع والطيران 7.1 مليارات دولار عام 2024 بزيادة بلغت 29% عن العام السابق.
واعتمدت هذه الإنجازات -وفقا له- على حلول وطنية في مجالات متعددة، من الهندسة المتقدمة والذكاء الاصطناعي إلى أنظمة الحرب الإلكترونية والفضاء، معتبرا أن الصناعات الدفاعية التركية باتت "رسالة استقلال" جديدة، وكل استثمار فيها هو بمثابة خطاب إستراتيجي يكتبه الشعب لمستقبل البلاد.

غزة حاضرة
من جهة أخرى، حملت كلمة غورغون نبرة سياسية حادة إزاء التطورات في فلسطين، إذ وجّه إدانة صريحة للهجمات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة، واصفا إياها بأنها ارتقت إلى مستوى الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، في انسجام مع توصيف القيادة التركية لهذه الجرائم بأنها انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وجرائم ضد الإنسانية.
وأكد أن أنقرة لن تقف موقف المتفرج أمام هذه الفظائع، بل ستواصل رفع صوتها عاليا دفاعا عن غزة في جميع المحافل الدولية والإنسانية.
وأضاف أن هذا الموقف المبدئي ليس عابرا، بل هو امتداد لنهج تركيا الثابت في انتقاد السياسات الإسرائيلية العدوانية، والدعوة إلى وقف فوري للعدوان وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المحاصرين.
عقب الكلمات الرسمية، انعقدت جلسة نقاشية رباعية جمعت قادة أكبر 4 شركات تركية في قطاع الصناعات الدفاعية:
أسيلسان للإلكترونيات الدفاعية. توساش للصناعات الجوية والفضائية. روكيتسان المتخصصة في المنظومات الصاروخية. بايكار الرائدة في تكنولوجيا الطائرات المسيّرة.وقدّم المشاركون عرضا شاملا لأحدث إنجازات شركاتهم ورؤيتهم للمستقبل، في صورة تعكس الطموح التركي لبناء منظومة دفاعية متكاملة.
من جانبه، أوضح أحمد أكيول، المدير العام لشركة أسيلسان، أن نجاح تركيا في هذا المجال ارتكز إلى رؤية دولة استشرافية ودعم شعبي وطني متين، إضافة إلى جهود آلاف المهندسين.
ولفت إلى أن حرب قبرص 1974 كانت نقطة تحول رسخت قناعة أنقرة بضرورة الاعتماد على الذات. وكشف أن أسيلسان تمثل تركيا في مشروع "القبة الفولاذية" لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، معتبرا أن ذلك يعكس الثقة الدولية بالكفاءة التركية. وأضاف "أنقرة لم تعد تلاحق التكنولوجيا، بل باتت تضع قواعدها الجديدة".
رسالة إستراتيجية
من جهته، أوضح المدير العام لشركة توساش محمد دمير أوغلو، أن مشروع المقاتلة الشبح "قآن" يواصل التقدم بخطى ثابتة، مع خطط لتحليق النموذج الثاني في أبريل/نيسان 2026.
كما استعرض المسيّرة النفاثة "عنقاء-3″، مشيرا إلى تفرد تصميمها الذي تطلب تحديات هندسية معقدة نجح الأتراك في تجاوزها. وأكد أن تركيا تخطو بثبات نحو الانضمام إلى رواد الجيل السادس من المقاتلات، جسرا للفجوة مع القوى الكبرى في صناعة الطيران.
إعلان
أما المدير العام لشركة روكيتسان مراد أكنجي، فأكد أن شركته أنتجت الصواريخ الرئيسة لمنظومة "القبة الفولاذية"، فضلا عن تطوير الصاروخ الباليستي "طيفون" بعيد المدى.
واعتبر أن بلاده باتت الأولى عالميا في ذخائر المسيّرات الذكية بفضل قدرتها على تجهيز طائراتها المسيّرة بترسانة واسعة تمتد من صواريخ مضادة للدروع إلى صواريخ كروز فرط صوتية. وشدد على أن الإستراتيجية التركية لم تعد تقتصر على تصدير السلاح، بل باتت تقوم على نقل القدرات الكاملة إلى الدول الصديقة عبر الإنتاج المشترك.

من ناحيتها، قدمت بايكار أحدث تطوراتها، مستعرضة مسيرتها في تغيير موازين القوى عبر طائرات "بيرقدار تي بي 2" و"آقنجي"، وصولا إلى المقاتلة النفاثة "قزل إلما" المنتظر دخولها الخدمة على متن السفينة البرمائية "أناضولو".
وأكد مسؤولو الشركة أن النجاحات العملياتية لهذه المسيّرات في مناطق مختلفة -من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا- جعلت تركيا ضمن كبار مصدري الطائرات بدون طيار عالميا، مشيرين إلى أن الخطوة المقبلة تتمثل في توظيف الذكاء الاصطناعي لتنسيق أسراب المسيّرات في العمليات العسكرية.
خلال العقدين الأخيرين، حققت الصناعات الدفاعية التركية قفزات نوعية جعلتها ركيزة محورية في رؤية "تركيا القوية" التي يتبناها الرئيس رجب طيب أردوغان، بعدما تحولت من مستورد يعتمد على الخارج إلى مصدّر تنافس منتجاته في الأسواق العالمية.
وترى الباحثة في شؤون الأمن والدفاع، مروة كاراكوتش، أن المؤتمر لم يكن مجرد احتفاء بإنجازات الصناعات الدفاعية، بل رسالة إستراتيجية جمعت بين رمزية عيد النصر والطفرة التقنية، لتؤكد أن تركيا تواصل مسيرة الاستقلال بأدوات القرن الـ21.
وتوضح للجزيرة نت أن هذا المزج عزز داخليا ثقة الأتراك باستقلالهم الصناعي، ورسخ خارجيا صورة أنقرة كقوة منتجة ومصدرة للتكنولوجيا الدفاعية، مما يمنحها نفوذا أوسع إقليميا ودوليا.
0 تعليق