الاقتصاد اليمني بين مفارقة الاستقرار المالي وغياب السيولة وتأثير أزمة الثقة على حياة المواطنين جريدة هرم مصر

إليك تحليلًا دقيقًا للوضع الاقتصادي اليمني، حيث تظهر مفارقة غريبة تُذهل الكثير من المراقبين، فنجاح البنك المركزي في عدن بخفض سعر صرف الريال من نحو 2900 ريال للدولار إلى حوالي 1600 ريال، لم يُترجم إلى استقرار حقيقي، بل أدى إلى أزمة سيولة خانقة شلت النشاط الاقتصادي وأثرت بشكل كبير على حياة المواطنين اليومية، وفق دراسة أكاديمية متخصصة.
مفارقة الريال اليمني: بين الاستقرار والأزمة
تشهد اليمن هذه المفارقة الصعبة، فالاستقرار النسبي في سعر الصرف يترافق مع فقدان واضح للنقد المتداول، مما يكشف عن فقدان الثقة في النظام النقدي، وهو ما أدى إلى توقف دورة الأموال، وتحول السيولة إلى مخزون خارج التداول، الأمر الذي يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والمالية التي يمر بها البلد. فالسيولة المحتجزة خارج السوق تمنع أي حركة تجارية طبيعية، وتزيد من معاناة الشعب بشكل يومي.
أزمة الثقة والمال غير الفعّال
وفق التحليل، المشكلة ليست نقص النقد، بل عدم قدرته على الحركة، إذ يفضل التجار والبنك المركزي الاحتفاظ بالنقود خشية الخسائر، مما يعطّل عمليات البيع والشراء ويعزز من السوق الموازية، فالمال المحتجز يخلق فجوة كبيرة بين العرض والطلب، ويؤدي إلى وجود أدوات غير رسمية للتداول، مثل الصرف عبر المتاجر والشبكات الشخصية، وهي حلول غير عادلة ومكلفة على المجتمع.
السياسات النقدية والقيود المفروضة
السياسات التي اعتمدت على تثبيت سعر الصرف وتقييد الوصول إلى العملات الصعبة، رغم أنها أوقفت تدهور العملة رسمياً، إلا أنها أسهمت في تعميق الأزمة، عبر الحد من السيولة المتاحة للأفراد، وظهور سوق موازية تعتمد على المضاربة، مما زاد من غياب شفافية السوق، وأدى إلى تفاقم الانقسام النقدي بين عدن وصنعاء.
المسارات المقترحة للحل
الحل يكمن في اعتماد إدارة ذكية للسوق النقدية، من خلال تقليل الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وتحفيز الصرافين على إعادة ضخ السيولة، واستبدال الطباعة المفرطة للنقود السعودية أو الدولار، بأدوات تمويل مبتكرة، وتوسيع قاعدة المستفيدين من مزادات العملة، مع تعزيز التحول الرقمي باستخدام أنظمة مدفوعات وطنية موثوقة، لتقليل الاعتماد على النقد الورقي.
وفي عمق الأزمة، يظل الانقسام النقدي بين عدن وصنعاء العائق الأكبر أمام استقرار دائم، ويجب التنسيق المستمر والعمل على توحيد السياسات بشكل تدريجي. فثقة المواطن في العملة، ليست مجرد عامل اقتصادي، بل هي جوهر الأزمة، وبدون استعادة هذه الثقة، تبقى أدوات السياسة الاقتصادية محدودة الفاعلية.
وفي النهاية، يتطلب حل الأزمة اليمنية جهودًا منسقة تعتمد على سياسات مستقرة، وبيئة شفافة، ودعم إقليمي فاعل، مع الانتقال من التفكير الانفعالي إلى استراتيجيات مدروسة، تضمن استدامة الاستقرار النقدي، وعودة الريال إلى مكانته، وتحقيق حياة كريمة للمواطن اليمني. هذه الرؤية الشاملة، التي أعدها أ.د. عبدالوهاب العوج، تركز على أن الحل ليس مجرد إجراءات مالية، بل تغيير شامل ينعكس على كافة جوانب الاقتصاد والمجتمع.
