إياد القطراوي
Published On 29/8/202529/8/2025
|آخر تحديث: 11:00 (توقيت مكة)آخر تحديث: 11:00 (توقيت مكة)
غزة– يُعتبر التسويق والتجارة الإلكترونية نافذة أمل للشباب في غزة، ووسيلة للتحرر من حصار البطالة وضيق الفرص، خصوصًا لخريجي كليات تكنولوجيا المعلومات والتسويق الرقمي والتجارة الإلكترونية، وقد وفرت هذه المجالات لهم إمكانية العمل من منازلهم في ظل الحصار وشحّ فرص العمل.
غير أنّ الحرب الإسرائيلية المتواصلة على غزة، أغلقت تلك النافذة فجأة، فتوقفت أو انهارت مشاريع ناشئة، وشركات خدمات، ومتاجر رقمية، وصفحات للتسويق عبر الإنترنت. وقد استثمر شباب جهدهم ومدخراتهم في بناء مستقبل مهني جديد وجدوا أنفسهم بلا عمل ولا مصدر دخل، بعد أن خطفت الحرب أحلامهم كما خطفت بيوتهم وأمنهم.
تسويق وخدمات مهددة
ويروي المواطن عبد الله محمد (25 عامًا) -المتخصص في مجال تكنولوجيا المعلومات- كيف دمّرت الحرب مكتب شركته "إكسبو" للتسويق الإلكتروني، الذي كان يشكّل مصدر الدخل الوحيد له وشركائه. ويقول للجزيرة نت "كانت لدي عقود مع شركات محلية مثل المطاعم والكافيهات، إضافة إلى شركات عربية في الخليج بمجال السوشيال ميديا (وسائل التواصل الاجتماعي) والتسويق الرقمي. وقدمنا خدمات مثل التصميم الجرافيكي والمونتاج وإدارة صفحات التواصل، إضافة إلى الترويج والإعلانات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصًا واتساب. ومن أبرز العملاء متجر مترو مارت في الإمارات المتخصص في الإكسسوارات والساعات".

ويضيف أنه بعد توسع نشاطه اتجه إلى الصرافة الإلكترونية، معتمدًا على استقبال الأموال المحوّلة من الخارج عبر منصات مثل "باي بال" وتسليمها للزبائن محليًا. ويشرح "كنت أتابع العمليات بدقة وأضمن وصول المبالغ بشكل صحيح مع حماية الزبائن من أي تأخير، مقابل الحصول على عمولة".
تجارة متوقفة وشراكات ضائعة
محمد زويد (23 عامًا) خريج تكنولوجيا المعلومات، وجد طريقه إلى النجاح عبر التجارة الإلكترونية، معتمدًا على مندوبين في دول عربية، خصوصًا الخليجية، لتحريك المبيعات. وقد حوّل مجموعات واتساب إلى منصات لترويج منتجاته، وتمكّن خلال سنوات قليلة من تحويل مشروعه إلى مصدر دخل رئيسي يغنيه عن انتظار الوظائف الحكومية.
إعلان
لكن مع اندلاع الحرب، تبدّد هذا النجاح. ويقول للجزيرة نت "انقطع الإنترنت لفترات طويلة، وتشتّت فريق العمل في الخارج بسبب توقف الشحن وانقطاع سلاسل التوريد. ولم أعد قادرًا على إدارة الطلبات أو إرسال البضائع، وضاعت عقود واتفاقيات كنت قد أبرمتها مع شركاء عرب".
ويضيف بأسى "كنت أرى مستقبلي أمامي مشروعًا ناجحًا يتوسّع بعملاء من دول عدة، لكن الحرب أغلقت الأبواب وأعادتني إلى نقطة الصفر. ومع ذلك لن أستسلم، وسأعيد بناء مشروعي حين تعود الظروف للاستقرار".
أما أمير العفش (27 عامًا) خريج تصميم وتطوير مواقع الإنترنت، فقد أسس مشروعًا للتسويق الإلكتروني قبل الحرب بسنوات قليلة، وعقد شراكات مع شركات خليجية.
ويوضح للجزيرة نت "كنت أشتري الأصناف بمبلغ محدد وأعرضها على متجري الإلكتروني بنسبة ربح متفق عليها، في حين يتولى مندوبو الشركات التوصيل. وأحصل على نسبتي نهاية كل شهر" لكن مع الحرب انهارت المنظومة بالكامل.
بيئة غير مستقرة
وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطينية كانت قد أشارت -في تصريحات صحفية- إلى أن أبرز المعوقات التي تواجه التجارة الإلكترونية في فلسطين تتمثل في غياب الاستقرار السياسي والاقتصادي نتيجة سياسات الاحتلال، إضافة لغياب البيئة القانونية الناظمة.
وتُظهر بيانات الإحصاء الفلسطيني ووزارة الاتصالات لعام 2023 أن عدد صفحات الإنترنت المختصة بالبيع والترويج بالضفة الغربية وقطاع غزة (باستثناء القدس) بلغ نحو 1000 صفحة وموقع، كما بلغ عدد شركات التوصيل والتحصيل المسجلة حوالي 70 شركة.
لكن خلف هذه الصورة الرقمية تتضح مؤشرات أشد قتامة، فقد بلغت نسبة المؤسسات الاقتصادية التي تلقت طلبيات عبر الإنترنت في غزة نحو 44%، في حين بلغت النسبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي 41%. ورغم هذه الحيوية، فإن الحرب وانقطاع الإنترنت والكهرباء شلّت النشاط تمامًا.
تسويق ثم بيع وشراء
وباتت التجارة الإلكترونية -وهي عملية شراء وبيع المنتجات أو الخدمات عبر الإنترنت- جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية. وتشمل الإعلان والتسويق وخدمات العملاء والمعاملات المالية، وتمثل حلًا أكثر مرونة مقارنة بالتجارة التقليدية.

وتشير الأرقام إلى أن 63% من المشتريات الإلكترونية تتركز على الملابس والأحذية والإكسسوارات، و21% على مستحضرات التجميل، و20% على السلع المنزلية، و10% على معدات الحاسوب، إضافة إلى نسب أقل لسلع أخرى.
ويشرح خبير التسويق الرقمي مؤمن عبد الحميد -للجزيرة نت- الفارق بين التسويق والتجارة الإلكترونية فيقول "التجارة الإلكترونية تعني إتمام عمليات البيع والشراء والشحن والتوصيل، بينما التسويق الإلكتروني يركز على الترويج وجذب العملاء عبر مواقع التواصل. ولا يمكن لأي تجارة إلكترونية أن تنجح دون حملات تسويق قوية." ويضيف أن هناك نوعين: الأول "التجارة الخاصة" حيث يملك الشخص متجرًا إلكترونيًا خاصًا مرتبطًا ببوابة دفع مثل "باي بال" أو "فيزا كارد" والثاني "الدروب شوبينغ" عبر شركات مثل "أمازون".
ويوضح أن "الحرب على غزة وانقطاع الكهرباء والإنترنت تسببا في انهيار العمل عبر الإنترنت، لذا لجأ كثير من الشباب إلى شراكات مع شركات عربية مثل ديجيتال لينك (في دبي) وفيوتشر غروب (في مصر) وماركتنغ كلينك (في السعودية)".
ركيزة اقتصادية منهارة
ويؤكد الباحث الاقتصادي خالد أبو عامر أن العقد الأخير شهد تزايد إقبال الشباب على التجارة الإلكترونية بدعم من حاضنات أعمال.
إعلان
ويقول للجزيرة نت "هذا الاتجاه أصبح ركيزة أساسية لتوفير دخل ثابت لآلاف الشباب. لكن العدوان الإسرائيلي نسف كل هذا التطور وأعاد الأمور إلى نقطة الصفر. وقد فقد أكثر من 95% من الشباب مشاريعهم بسبب انقطاع الكهرباء وعدم انتظام الإنترنت، مما دفع الشركات الخارجية للاستغناء عن مسوّقي غزة".
ويضيف "انعكس هذا الواقع على مستقبل آلاف الشباب، فاضطر كثيرون للانتقال إلى مجالات بديلة مثل الصرافة الإلكترونية مقابل عمولات تتراوح بين 10 و15%، في وقت تجاوز فيه تضخم أسعار السلع في غزة 258%".
أثر نفسي عميق
ولم تكن هذه المشاريع مجرد مصدر رزق، بل أصبحت انعكاسًا لطموحات الشباب وقدرتهم على الإبداع رغم الظروف.
وقد ترك انهيارها جرحًا نفسيًا عميقًا وإحساسًا بفقدان المستقبل، مما دفع الكثيرين للتفكير في الهجرة بحثًا عن أماكن أكثر استقرارًا تتيح لهم فرصة الانطلاق والإبداع دون خوف أو قيود.
0 تعليق