نحو نظام اقتصادي جديد - هرم مصر

الخليج 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من السهل الانشغال في تفاصيل الفوضى اليومية للحرب التجارية العالمية، أي رسوم جمركية تضاعفت؟ ما الصفقة المعلنة اليوم؟ وأي نوع من الرقائق لم يعد خاضعاً لقيود التصدير؟ كلها تطورات ومنعطفات يومية تحرك الأسواق وتشغل العناوين، لكنها ليست جوهر المسألة. فالأهم هو الاتجاهات العميقة التي سترسم ملامح الاقتصاد الدولي ودور الولايات المتحدة فيه لعقود مقبلة.
إن الخطوة الأولى نحو نظام اقتصادي عالمي جديد تبدأ بالاعتراف بحقيقة صعبة، وهي أن النظام التجاري الدولي كما عرفناه قد انتهى، والعودة إلى الوضع السابق مستحيلة في ظل اتباع الولايات المتحدة والصين قواعدهما الخاصة. غير أن موت النظام القائم على القواعد لا يعني الاستسلام لعالم تسوده عقلية «إفقار الجار». والتحدي اليوم هو صياغة قواعد جديدة حيثما أمكن، بين دول متشابهة التفكير، حتى وإن تعطل النظام متعدد الأطراف. وهذه مهمة بالغة الأهمية بالنسبة لواشنطن بقدر ما تهم باقي الاقتصادات، ولن تتحقق من دون قيادتها.
ويتمثل الخطر الأكبر بعدوى النهج الأحادي والحمائي إذا ما انتقل إلى دول أخرى. عندها قد نجد أنفسنا أمام مشهد يشبه فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، حين استُخدمت التجارة كسلاح بين الدول، وهو مسار نعرف جيداً كيف ينتهي. وحتى في غياب الصراع المباشر، فإن صعود الحماية والدعم الحكومي وتراجع التكامل قد يقود إلى تباطؤ النمو العالمي، وهو ما ينعكس سلباً على صادرات الولايات المتحدة، أي على الشركات والمزارعين والعمال الذين يقفون وراءها. ففي عام 2024 بلغت قيمة هذه الصادرات 3.2 تريليون دولار.
الأمر اللافت أن العالم لم يعد يفكر فقط في تقليص اعتماده على الصين، بل باتت هناك أحاديث عن تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة نفسها. ولا شك في أن السوق الأمريكية لا تزال قوية وجاذبة، لكن من الطبيعي أن تسعى الدول إلى تنويع شراكاتها وتوسيع علاقاتها التجارية مع شركاء آخرين.
وحتى الآن لم نشهد رداً انتقامياً واسعاً على الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترامب، لكن هذا قد يتغير مع اتضاح كلفة تلك السياسات. فالدول الأخرى لديها حساباتها السياسية، والتجارة قضية حساسة دائماً؛ لأنها تمسّ قطاعات داخلية بعينها.
كما أن اعتــماد الــولايــات المتحدة على الخـــارج بــــات أوضح من أي وقـــت مضـــى. الصين علـــى سبيــل المثــال أمــضت سنـــوات فــــي دراسة نقــاط نـــفــــــوذها، وأظــــهرت عبر تقييد تصــديـــر المعادن النادرة والمواد الأســــاسيـــة، مــــدى قـــدرتها علــى الضغــــــط.
فإلى أين نتجه؟ حيث لا مجال للعودة إلى الوراء. الحنين ليس استراتيجية، كما أن التعويل على الأمل وحده ليس سياسة في عالم بلا قواعد محفوف بالمخاطر. لذلك نحن بحاجة إلى مقاربة واقعية تقوم على ما أسميه «التعددية المفتوحة»، أي أن تتجمع دول متقاربة المصالح لتضع قواعد جديدة تعكس الحقائق المستجدة. هذه ستكون تحالفات طموحة منفتحة على الآخرين، شرط أن يكونوا مستعدين لتبني المعايير ذاتها.
ربما يتمحور التعاون لبعض الدول حول تحرير التجارة وفتح الأسواق، كما فعلت بريطانيا بانضمامها إلى اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ، فيما تدرس أوروبا خطوة مماثلة. أما الولايات المتحدة فقد لا تنضم قريباً، لكنها تستطيع قيادة تحالفات أخرى لوضع قواعد مشتركة لضبط صادرات التكنولوجيا الحساسة، وبناء سلاسل توريد آمنة، ووضع مبادئ لاستخدام الدعم الصناعي، وتنسيق المنافسة مع الصين. بل قد تكون هناك فرصة لوضع قواعد الطريق للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية.
صحيح أن التعددية المفتوحة أكثر تعقيداً من النظام التجاري متعدد الأطراف، لكنها تبقى الخيار الواقعي في عالم جديد. ويبقى السؤال، هل سيتشكل هذا النظام بقيادة الولايات المتحدة، أم من دونها، أم ضدها؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق